شارل ديدييه
55
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر
وكانت الوسيلة الوحيدة أن نحاول إيجاد طباخ في السويس ، ويبدو أن أقدار اللّه ساعدتنا فساقت إلينا غاسبارو مازانتي Gasparo Mazzanti وهو من سكان فلورنسة الأصليين ، وكان يتحدث اللغة التوسكانية Toscan بلهجة واضحة ، خاصة بأهل فلورنسة ، ولم يكن يعرف أي كلمة عربية ، على الرغم من أنه أقام في مصر خمسة عشر عاما ، بعد أن ساقته إليها خلافات أسرية . وكان يتملك مطعما في الإسكندرية ، وكان في هذه الأثناء موجودا بالمصادفة في السويس ، وعرض علينا خدماته ، فقبلنا ، وقد كان على استعداد للذهاب معنا إلى آخر الدنيا من أجل عشر تلرات « 1 » Talari في الشهر . لقد قضى هذا الرجل الشجاع في خدمتي ثمانية أشهر كان خلالها مثالا في التفاني والاستقامة . وإن مثل هذا الخلق أصبح نادرا كل الندرة لدى الأوروبيين الذين يقيمون في الشرق ، حتى إنه ينبغي الوقوف عنده وتسجيله . ترسل فرنسا إلى السويس قنصلا ، ولكنه بالطبع يفضل الإقامة / 31 / في القاهرة أو الإسكندرية على الإقامة في هذا المنفى . ويدير أعمال القنصلية التي لا تكاد تذكر في غيابه تاجر من السكان الأصليين اسمه كوستا Costa ؛ وهو يوناني الأصل كما أظن . وهو لا يتقن لغة البلد التي يمثلها ، ولكنه في مقابل ذلك يتقن الحديث بالعربية ، ويحفظ عددا من الحكايات والقصص الممتعة التي يوشّي بها أحاديثه . وقد كان أحد أبنائه يتكلم الفرنسية ، فأفدنا منه فوائد جمة ، ولا يسعني إلا الإشادة بما قدمه لي من خدمات جيدة إبان إقامتي .
--> ( 1 ) ريال ماريا تيريزا - ثالر ( النمساوي ) ، وقد اشتهر في الجزيرة العربية باسم ( الريال الفرنسي ) وقد طغى هذا على الاسم الحقيقي للريال . . . ويعد من أشهر العملات الأجنبية التي استخدمت على نطاق واسع في الجزيرة العربية ، وقد سكت من معدن الفضة في عام 1780 م ووزنها يوازي الأوقية الواحدة ، وظل التعامل بها قائما في أقطار الجزيرة العربية حتى وقت قريب بسبب ثبات وزنها وعيارها اللذين لم يتغيرا ، وقد أطلق العامة عليه اسم ( أبو طاقة ) بسبب الرسم الموجود على ظهره . انظر كتاب : تطور النقود في المملكة العربية السعودية ، الصادر عن مؤسسة النقد العربي السعودي ، 1419 ه ، ص 19 .